المشيب
عَرٍيتُ منَ الشباب وكان غضّا كما يَعـْرى من الوَرَقٍ القضيبُ
فيا ليت الشبابَ يعودُ يوماً فأُخبرهُ بما فَعَلَ المَشيبُ
الشعر العربي القديم لم يغادر ذاكرتنا وذائقتنا لما فيه من قوة وابتكار ومعاصرة. من هذا الشعر اخترنا في حلقات عدة قطوفاً من أجمل الأبيات التي صاغها كبار الشعراء من الجاهلية وحتى الاندلس مروراً بالعصر الراشدي والأموي والعباسي. وتأتي هذه السلسلة من ضمن قراءات شعرية.
هنا اجمل ما قيل في المشيب
لما علاني
لما علاني الشيب قال صواحبي
لا نبتغي خلاً يصير أشيب
فصبغته خوف الفراق فقلن لي
هذي رواية أصبغ عن أشهب
(لسان الدين بن الخطيب)
أري طرفها
أري طرفها أن الخضابين واحد
ولكنه ما بهرج الشيب ناقد
ضلالة حب غادرتني مزوّراً
عذاري وإني مع الشيب خالد
يقولون عمر الشيب أطول بالفتى
وما سرني أني مع الشيب خالد
أماض فغدَّراً زمان أباحني
حريم الهوى أم حافظ لي فعائد
ودارين من عالي الصراة سقتهما الـ
بوارق ربعي الهوى والرواعد
ألفتهما والعيش أبيض ضاحك
بربعهما والظل أخضر بارد
(مهيار الديلمي)
تغيّر اللون مني
إن تريني تغيّر اللون مني
وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فظلال السيوف شيّبن رأسي
وطعاني في الحرب صهب السبال
(عبد الله بن قيس الرقيات)
هزئت إن رأت
هزئت أن رأت بي الشيب عرسي
لا تلومي ذوابتي أن تشيبا
إن يشب مفرقي فإن قريشاً
جعلت بينها الحروب حروبا
(عبد الله بن قيس الرقيات)
قد غلب الشبابا
ألا يا قلب مالك إذ تصابي
وهذا الشيب قد غلب الشبابا
كما طرد النهار سواد ليل
فأزمع حين حل به الذهابا
سأحفظ ما زعمت لنا وأرعى
إياب الود إن له إيابا
وليل قد أبيت به طويل
لحبك ما جزيت به ثوابا
(جرير)
لاح فاشتعلا
أمسى شبابك عنا الغض قد رحلا
ولاح في الرأس شيب حل فاشتعلا
إن الشباب الذي كنا نزُنُّ به
ولى ولم نقض من لذاته أملا
ولى الشباب حميداً غير مرتجع
واستبدل الرأس مني شر ما بدلا
شيب تفرع أبكاني مواضحه
أضحى وحال سواد الرأس فانتقلا
ليت الشباب بنا حلت رواحله
وأصبح الشيب عنا اليوم منتقلا
أودى الشباب وأمسى الموت يخلفه
لا مرحبا بمحل الشيب إذ نزلا
ما بال عرسي قد طالت مطالبتي
أمست تجنى عليّ الذنب والعللا
(عمر بن أبي ربيعة)
فأعرضن عني
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي
فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن إذا أبصرنني أو سمعنني
سعين فرقَّعن الكوى بالمحاجر
(عمر بن أبي ربيعة)
خالط مفرقي
رهبت وما من رهبة الموت أجزع
وعالجت همّاً كنت بالهمِّ أولع
وليداً إلى أن خالط الشيب مفرقي
وألبسني منه الثغام المنزع
(عامر بن الطفيل)
والشيب منصرف
بانت سعاد ففي العينين تسهيد
واستحقبت لبه فالقلب معمود
وقد تكون سليمى غير ذي خلف
فاليوم أخلف من سلمى المواعيد
لمعاً وإيماضَ برقٍ ما يصوب لنا
ولو بدا من سليمى النحر والجيد
إما تريني حناني الشيب من كبر
كالنسر أرجف والانسان مهدود
وقد يكون الصبا مني بمنزلة
يوماً وتقتادني الهيف الرعاديد
يا قل خير الغواني كيف رغن به
فشربه وشل فيهن تصريد
أعرضن من شمط في الرأس لاح به
فهن مني إذا أبصرنني حيد
قد كن يعهدن مني مضحكاً حسناً
ومفرقاً حسرت عنه العناقيد
فهن يشدون مني بعض معرفة
وهن بالود لا بخل ولا جود
قد كان عهدي جديداً فاستبد به
والعهد متبع ما فيه منشود
يقلن لا أنت بعل يستقاد له
ولا الشباب الذي قد فات مردود
هل الشباب الذي قد فات مردود
أم هل دواء يرد الشيب موجود
لن يرجع الشيب شباناً ولن يجدوا
عِدلَ الشباب لهم ما أورق العود
إن الشباب لمحمود بشاشته
الشيب منصرف عنه ومصدود
(الأخطل)
ولا أرجو
رأيت نوار قد جعلت تجني
وتكثر لي الملامة والعتابا
وأحدث عهد ودك بالغواني
إذا ما رأس طالبهن شابا
فلا أستطيع رد الشيب عني
ولا أرجو مع الكبر الشبابا
فليت الشيب يوم غدا علينا
إلى يوم القيامة كان غابا
فكان أحب منتظر إلينا
وأبغض غائب يرجى إيابا
فلم أر كالشباب متاع دنيا
ولم أر مثل كسوته ثيابا
ولو أن الشباب يذاب يوماً
به حجر من الجبلين ذابا
فإني يا نوار أبى بلائي
وقومي في المقامة أن أعابا
(الفرزدق)
فاحذر
الشيب عنوان المنيـ
ية وهو تاريخ الكبر
وبياض شعرك موت شعـ
رك ثم أنت على الأثر
فإذا رأيت الشيب عمّ
الرأس فالحذر الحذر
(علي بن أبي طالب)
حيّ على الذهاب
إلام تجر أذيال التصابي
وشيبك قد نعى برد الشباب
بلال الشيب في فوديك نادى
بأعلى الصوت حيّ على الذهاب
(علي بن أبي طالب)
ورجعت
أوصلت صرم الحبل من
سلمى لطول جنابها
ورجعت بعد الشيب تبـ
غي ودها بطلابها
أقصر فإنك طالما
أو ضعت في إعجابها
(الأعشى)
قناع
تبدل بعد الصبا حكمة
وقنّعه الشيب منه خمارا
أحل به الشيب أثقاله
وما اعترّه الشيب إلا اعترارا
فإما تريني على آلة
قليت الصبا وهجرت التجارا
(الأعشى)
سلّط عليه
إن تري رأسي أمسى واضحاً
سلط الشيب عليه فاشتعل
فلقد أعوص بالخصم وقد
أملأ الجفنة من شحم القلل
(لبيد العامري)
لولا
قالت غداة انتجينا عند جارتها
أنت الذي كنت لولا الشيب والكبر
فقلت ليس بياض الرأس من كبر
لو تعلمين وعند العالم الخبر
لو كان غيري سليمى اليوم غيّره
وقع الحوادث إلا الصارم الذكر
(لبيد العامري)
آيات
علا الشيب رأسي بعدما كان أسوداً
وفي الشيب آيات لمن يتفكر
وبعد الشباب الشيب والضعف والونى
وموت له قدر عبوس مكدّر
(حسان بن ثابت)
غير مغتفر
ذنبي لعبلة ذنب غير مغتفر
لما تبلج صبح الشيب في شعري
رمت عبيلة قلبي من لواحظها
بكل سهم غريق النزع في الحور
فاعجب لهن سهاماً غير طائشة
المزيد